محمد متولي الشعراوي

4532

تفسير الشعراوى

ويقال أيضا : إن هذا الشئ جاء لفلان عفو الخاطر ، أي لم يفكر فيه ، بل جاء ميسرا . هذا هو معنى العفو . والحق هنا يأمر رسوله عليه الصلاة والسّلام أن يأخذ العفو ، أي أن يأخذ الأمر الميسر السهل ، الذي لا تكلف فيه ولا اجتهاد ؛ لأنك بذلك تسهل على الناس أمورهم ولا تعقدها ، أما حين تتكلف الأشياء ، فذلك يرهق الناس ، ولذلك يأمر الحق رسوله أن يقول : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) ( سورة ص ) وقوله : " وما أنا من المتكلفين " أي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتكلف الأمور حتى تصير الحياة سهلة ولا يوجد لدد بين الناس ؛ لأن الذي يوجد اللدد هو التكلف وقهر الناس ، ويجب أن تقوم المعاملة فيما بينهم بدون لدد أو تكلف . ولذلك يقال : إن المؤمن هو السمح إذا باع ، والسمح إذا اشترى ، والسمح إذا اقتضى ، والسمح إذا اقتضى منه : أي أنه في كل أموره سمح . وللأمر بأخذ " العفو " معنى آخر وهو أن تعفو عمن ظلمك ؛ لأن ذلك ييسر الأمور . والعفو أيضا له معنى ثالث ، هو الأمر الزائد ، مثل قوله الحق تبارك وتعالى من قبل أن تفرض الزكاة : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ( من الآية 219 سورة البقرة ) ثم حدد الحق بعد ذلك الزكاة وأوجه إنفاقها ، ونلحظ أن الأمر بالإنفاق من قبل أن تفرض الزكاة ، والإنفاق بعد أن نزل الأمر بالزكاة يلتقيان في السهولة ؛ لأن المؤمن لا ينفق مما يحتاجه . بل من الزائد عن حاجته . وقول اللّه سبحانه وتعالى في الآية « خُذِ الْعَفْوَ » فيه أمر « خذ » ومقابله « أعط » وقد تعطى إنسانا فلا يأخذ منك إن رأى أن ما تعطيه له ليس في مصلحته ، لكن إذا قال الحق تبارك وتعالى : « خُذِ » ، فهذا أمر يعود نفعه عليك ، فإن كان العفو عمن ظلمك في ظاهر الأمر ينقصك شيئا ، فاعلم أنك أخذت العفو لنفسك .